إعمار غزّة وإعادة بناء القوة الذاتية الفلسطينية

وعليه، وفي ظلّ ما تبيّن خلال العامَين الماضيَين، وبكيفية ومعطيات حركتَي فتح وحماس مع التغيّرات الإقليمية الآخذة في الحدوث ومعطياتهما، فالمحاسبة والمساءلة لأقطاب الانقسام الفلسطيني ليست ترفاً سياسيّاً، بل هي في جوهر أيّ عملية تغييرية، بما فيها إعادة إعمار قطاع غزّة، إن كان الهدف هو التأسيس لمرحلة سياسية جديدة تتعلّم من الماضي وتبني مرحلةً جديدةً عنوانها الشرعية والتمثيلية والفعّالية السياسية ومركزية وجوهرية الإنسان في الفعل السياسي

وتشكّل المرحلة الحالية، وعملية إعادة الإعمار قيد التشكّل، مدخلاً آخر لا يتوجّب التفريط فيه، ليس من أجل المحاسبة والمساءلة فحسب، وإنما لإرساء قواعد جديدة للفعل السياسي الفلسطيني الجمعي. فعملية إعادة الإعمار المادي تتطلّب أن تقترن بورشة عمل جادّة لإعادة الإعمار السياسي للسياسة والحوكمة الفلسطينية، لتعيد تعريف ماهية النظام السياسي الفلسطيني ومؤسّساته التمثيلية وقيادته ورؤيته، وأشكال الحوار الوطني وإطارها، وشكل الإطار القيادي الفلسطيني، ونوع خطابه وطبيعته، واستراتيجيات فعله السياسي، وأشكال مقاومته واشتباكه وأدواتهما، ودور مؤسّساته، بما فيها جوهرية دور المجتمع المدني وأدواره التكاملية، في طريق يجعل الفلسطينيين أقرب إلى الحرية، بدل أن يتكيّف ما ذُكر أعلاه مع عمليات معقّدة لتحسين شروط العيش فقط تحت الاستعمار بتنوّع أشكاله وأدواته

وعليه، تبدو مهمّة بناء “مصفوفة مواطن القوة الذاتية الفلسطينية” ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى، خصوصاً بعد عامَين من الإبادة. يجب أن تكون هذه المصفوفة نتاج عمل جمعي، وهي مصفوفة حيّة لن تأتي بما هو عجائبي، بل تؤطّر مواطن القوة الفلسطينية الموجودة من رأسمال بشري واجتماعي، ومجتمع مدني منخرط وفاعل، وآليات صمود ومقاومة، وأنماط ريادية في قطاعات شتى، وشرائح مجتمعية مهمّشة قادرة على التغيير… والقائمة تطول. فبعد الحالات العديدة من الانكسار والضعف والتيه، تشكّل مصفوفة كهذه مدخلاً مهمّاً من أجل بناء “قائمة الأمل” في غمرة الألم كلّه

 

 

إعمار غزّة وإعادة بناء القوة الذاتية الفلسطينية، علاء الترتير، العربي الجديد، 13 شباط 2026

انقر هنا لقراءة المقال

انقر هنا لتحميل المقال